الشيخ محمد رشيد رضا
81
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حسرة وشقاء عليها ، فالاعمال هي التي كونت هذه الحسرات في النفس ، ولكن لا يظهر ذلك إلا في الدار الآخرة التي تسعد فيها كل نفس بتزكيتها ، وتشقى بتدسيتها وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ إلى الدنيا صحيحي العقيدة ليصلحوا أعمالهم ، فيشفوا غيظهم من رؤسائهم وأندادهم ، ولا إلى الجنة لأن علة دخولهم في النار هي ذواتهم بما طبعتها عليه خرافات الشرك وحب الأنداد ( الأستاذ الامام ) يقول المفسرون في مثل هذه الآيات ان هذا الكلام خاص بالكفار ، نعم انه خاص بالكفار كما قالوا ، ولكن من الخطأ أن يفهم من هذا الكلام ما يفصل بين المسلمين والقرآن إذ يصرفون كل وعيد فيه إلى المشركين واليهود والنصارى فينصرفون عن الاعتبار المقصود . لهذا ترى المسلمين لا يتعظون بالقرآن ، ويحسبون ان كلمة « لا إله إلا اللّه » يتحرك بها اللسان من غير قيام بحقوقها كافية للنجاة في الآخرة ، على أن كثيرا من الكافرين يقولها ، ومنهم من يهز جسده عند ذكر اللّه كما يهزه جماهيرهم ، فهل هذا كل ما أراده اللّه من إنزال القرآن ، وبعثة محمد عليه الصلاة والسّلام ؟ ليس هذا الذي يتوهمه الجاهلون من مراد المفسرين ، فما بين اللّه تعالى ضروب الشرك وصفات الكافرين وأحوالهم إلا عبرة لمن يؤمن بكتابه حتى لا يقع فيما وقعوا فيه فيكون من الهالكين ، ولكن رؤساء التقليد حالوا بين المسلمين وبين كتاب ربهم ، بزعمهم أن المستعدين للاهتداء به قد انقرضوا ولا يمكن أن يخلفهم الزمان لما يشترط فيهم من الصفات والنعوت التي لا تتيسر لغيرهم ، كمعرفة كذا وكذا من الفنون الصناعية والإحاطة بخلاف العلماء في الاحكام . والذي يعرفه كل واقف على تاريخ الصدر الأول من المسلمين هو أن أهل القرنين الأول والثاني لم يكونوا يقلدون أحدا ، أي لم يكونوا يأخذون بآراء الناس وأقوال العلماء ، بل كان العامي منهم على بينة من دينه يعرف من أين جاءت كل مسألة يعمل بها من مسائله ، إذ كان علماء الصدر الأول رضي اللّه تعالى عنهم يلقنون الناس الدين ببيان كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان الجاهل بالشيء يسأل عن حكم اللّه فيه فيجاب « تفسير المنار » « 11 » « الجزء الثاني »